
يقول احدهم :
تعلمتها وأنا في المدرسة في المرحلة المتوسطة في دورات
مياه المدرسة وقت الراحة بين حصص الدرس , وكنت حينئذ مراهقا . وكان هدف التعليم في
تلك السن الرغبة في اعلان الرجولة وانهاء مرحلة الطفولة . كما يتمثل هذا الاعلان في
وضع السيجارة في الفم واشهار الدخان للفت نظر بنت الجيران , كما يتمثل في الحلاقة
المبكرة للشارب حتى ينمو ويكبر بعد ان اختط له ظلا خفيفا فوق الشفتين , وفي التمرد
على الاسرة وعصيان اوامرها والانفراد في اتخاذ القرار وابداء الرفض لكل شئ .
دخلت مرحلة التحول الخطيرة في حياتي وسرت فيها وفق ارادتي دون اي تدخل من
الاسرة , ودون نصح او ارشاد او تصحيح لمسار .الاسرة فرحة برجولتي الوليدة , اذ رأت
ما يحدث لي هو امر عادي لكل الشباب . لم يعترضو على شئ , ولم يمنعوني من شئ, ولما
شاهدوني ادخن لم يستنكرو ذلك مني وبدا في نظرهم امرا طبيعيا وحقا مكتسبا لي لاجرم
فيه , مادمت قد صرت رجلا ! والادهى من ذلك أني وجدت أمي تقدم لي السجائر الثي حصلت
عليها من علبة ابي , وتزيد مصروفي كي اشتري ماتعجز عن تزويدي به من تبغ ابي. كنت
اتمنى ان ينهوني , أن يزجروني , أن يضربوني , أن يصرخوا في وجهي ويمنعوني عن
التدخين . ولكن للاسف تركوني لقدري اسير , برضاهم , للدخان الأسود ولمضاعفاته . بدأ
الأمر معي بملهاة وانتهى بادمان , وما كان ( دلعا ) بالأمس صار هما ونكدا و مرضا في
الشباب , صرت لا اطيق الابتعاد عنه وأنا كهل , ولقد صدق الحكماء حين قالوا : ان
معظم النار مستصغر الشرر .
مع مرور الوقت وتوالي سنوات العمر , اصبحت مدخنة
ادميه , فما أكاد اطفئ سيجارة حتى أشرع , دون أن اشعر , في اشعال سيجارة اخرى , وفي
بعض الاحيان كنت اشعل الجديدة مع بقايا المحترقة . وتضاعف عدد المحروق منها يوميا
وناهز التسعين شيجارة في اليوم , أي صرت لا أستطيع أن أتخلى عن هذه السيجارة
الملعونة ابدا , صرت استيقظ على انفاسها , وكانت هي اول شي تتفتح عليه عيني في
الصباح , وكانت اخر شئ أودعه في المساء , واخر رائحة أشمها وأنا في طريقي الى
الاستغراق في النوم , ولقد خيل الي أنني بت أحلم بها في منامي وأناجيها مناجاة
الحبيب المشتاق لحبيبته.
حاولت كثيرا أن امتنع عن التدخين وراهنت كثيرا على
ذلك , وفي كل مرة كنت أتراجع و أخسر الرهان , في كل شهر رمضان كنت أنوي انهاء صلتي
بالدخان , وانتهاز فرصه الصوم , و التذرع بالايمان ولا سيما أنني طوال النهار صائم
ممتنع عن التدخين أعاني الصداع وتلف الاعصاب حتى أذان المغرب . وعندما يؤذن أسارع
دون وعي لأخذ سيجارة ووضعها في فمي . الناس يفطرون على الساخن و البارد و الحساء و
الرطب , وأنا أرفض كل ذلك ليكون النيكوتين و القطران أول ما أتذوقه عند الافطار ,
مع سحب الانفاس من البيضاء الصغيرة ذات الفلتر أسترد أنفاسي ويعود لاأتزان لدماغي
ويتوقف دق ( الشواكيش ) على رأسي و ( نافوخي ) . وبعد ذلك يأتي الطعام و الشراب .
وتضيع فرصه الامتناع عن الاتدخين في الشهر الفضيل , بل أنني اكتشفت انني ادخن في
رمضان أكثر من اي شهر اخر , فأنا اظل أدخن طوال الليل كمدخنه مصنع يعمل ليلا ,
ويتوقف الدخان مع مدفع الامساك بعد ان أكون قد حشوت صدري ورئتي بأكبر زاد من
النيكوتين و القطران يكفيني طيلة النهار .
ضاق صدري و تحشرج واضربت انفاسي
وتملكني السعال المزمن وصرت أتعب لأقل مجهود وألهث عند صعود الدرج , واصفرت اسناني
, واسودت أصابع يدي وأظافري , وتوالت علي نوبات أمراض الصدر , وفي كل مرةأرقد فيها
يمنعني الأطباء عن التدخين ويحذرونني من مغبة الاستمرار فية , واستسلم فترة المرض
لأوامرهم وأتوقف , ولكن بمجرد تماثلي للشفاء واستردادي لعافيتي تكون السيجارة أول
مقبل لفمي لحظه مغادرة فراش المرض وكأن شيئا لم يكن . منذ شهرين مرضت مرضا شديدا
ولزمت الفراش وظننت أنها النهاية وكانت نوبة المرض شديدة للغاية , وبدأ العلاج وجاء
مع العلاج التحذير النهائي لي وقال لي الطبيب المالج بالنص : ان اخر أنفاسك مع أول
سيجارة تدخنها .
نظرت الى عينيه والى نظراته الصارمة بخوف ورعب , فلقد كان
االطبيب جادا في تحذيره هذه المرة ولم يكن مثل المرات السابقة , فلقد صرت من تجربتي
مع الاطباء خبيرا في اسرار عيونهم ونظراتهم .
أدرمت أن ألأمر أصبح أمر حياة
أو موت , وما اشد تشبثنا بالحياة حين نواجه الموت .
عاهدت الطبيب على الاقلاع
عن التدخين نهائيا , وكأنني أخذت منه الاذن بالبقاء على قيد الحياة , وأقسمت له و
أغلظت في القسم حتى أطمئن على جدية قراري حتى يمحو اسمي من قائمة المحكوم عليهم
بالموت . وهز لي رأسه وهو يقول : أنها حياتك وأنت حر فيها .
وعلى الرغم من
الصداع الرهيب , ومن دق ( الشواكيش ) المستمر بلا انقطاع , ومع الأرق و الهذيان و
الرعشة و الاضطراب , على الرغم من ذلك كله نجحت وانتصرت العزيمة أخيرا , وأمنتعت عن
التدخين بعد ادمان اربعين عاما أحترقت خلالها أطنانا من التبغ وأحترقت معها خلايا
جسمي . عادت الي الصحه , وعاد الدم يجري في عروقي وانفتحت شهيتي للطعام , وشهيتي
للحياة , وعاد الي الشباب , وعدت الان لا أحتمل رائحة الدخان .
وتعجبت
لأمري , كيف كنت اسيرا لهذا السم الأسود طوال هذا العمر المديد . وفي غمرة فرحتي
باسترداد حريتي من التدخين وفك أسري , صدمت صدمة أخرى حين أقترب أبني الاكبر مني
فشممت رائحت فمه و علمت الحقيقة المرة .
لقد راح يدخن وأنا غافل عنه ,
وأدركت أنه سوف يقع في مصيري نفسه , أخذت في نصحه وتحذيره واستعملت معه كل الطرق
وكل أساليب علم النفس لاقناعه بعدم الااسترسال في هذه الملهاة القاتلة ولكن مع
الأسف تبددت نصائحي كلها في الهواء , فلقد أيقنت أنه أثر العناد , كان يعتبرني مثله
الأعلى ولكن مع الأسف كنت المثل السئ.